السيد حيدر الآملي

80

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

--> صرنا مع الناس والتجارة أحببنا الدنيا ؟ فقال أبو جعفر عليه السّلام : « إنّما هي القلوب مرّة تصعب ومرّة تسهل » ثمّ قال أبو جعفر عليه السّلام : « أمّا إنّ أصحاب محمّد صلى اللّه عليه واله قالوا : يا رسول اللّه نخاف علينا النفاق قال : فقال : ولم تخافون ذلك ؟ قالوا : إذا كنّا عندك فذكّرتنا ورغّبتنا وجلنا ونسينا الدّنيا وزهدنا حتّى كأنّا نعاين الآخرة والجنّة والنّار ونحن عندك ، فإذا خرجنا من عندك ، ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل يكاد أن تحوّل عن الحال الّتي كنّا عليها عندك وحتّى كأنّا لم نكن على شيء ؟ أفتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقا ؟ فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه واله : كلّا إنّ هذه خطوات الشيطان فيرغّبكم في الدنيا ، واللّه لو تدومون على الحالة الّتي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء ، ولولا أنّكم تذنبون فتستغفرون اللّه ، لخلق اللّه خلقا حتّى يذنبوا ، ثمّ يستغفروا اللّه فيغفر ( اللّه ) لهم ، إنّ المؤمن مفتّن توّاب أمّا سمعت قول اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ البقرة : 222 ] . وقال : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ * [ هود : 3 ] . فاعلم أنّ أسباب القرب إلى اللّه سبحانه وتعالى عبارة عن : العبوديّة الخالصة ، والتخلّق بأخلاق اللّه سبحانه والتحقق به ، واليقين ، ومعلوم أنّ كلّما كان الإنسان أقرب إلى اللّه تعالى يكون أكثر تشابها منه سبحانه ومن وصل إلى مرتبة اليقين بسلوكه طريق الطهارة والإخلاص ، يؤيّده اللّه سبحانه وتعالى بروح منه وبروح القدس ، قال تعالى : أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [ المجادلة : 22 ] . وهذا الروح من قبيل أمره تبارك وتعالى ، قال سبحانه وتعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] .